RSS

القراءات المتصارعة (بول آرمسترونج)


• النقد الأدبي فضاء تعددي تتنافس فيه التأويلات المتضادة دون الوصول إلى نقطة حسم تسمح بالهيمنة، لكنه مشروع عقلاني صارم أيضاً، تحكمه ضوابط صارمة تقرر المصداقية.
• تُمثل الافتراضات المسبقة لأية طريقة تأويلية مصدر قوة و مصدر تقييد معاً.
• الإدعاء أن اعتقاداً ما لا يدخله الشك أمرٌ خطير، لأنه قد يجعل الدائرة الهرمينيوطيقية مُفرغة ويمنع ظهور حالات الشذوذ التي يمكن أن تدحضه.
• كل واحد منا سيجد في العمل الأدبي تلك الأشياء التي يرغب فيها أو يخشاها على نحو خاص. (نورمان هولاند)
• تَعلَّمنا الدهشة لأن ظهور شيء غير متوقع يؤشر حدود رؤيتنا ويدعونا إلى توسيعها بابتكار افتراضات جديدة. وقد تسبب الدهشة حيرة في البداية عندما يتمكن شيء يقع خارج مقولاتنا من تعطيل ملكاتنا التأويلية.
• كما أنني لا أستطيع أبداً ان أرى العالم كما يراه الآخر، فإن الآراء المتصارعة بشأن نص ما تبقى غير قابلة للإختزال ومبهمة على نحوٍ ما بالنسبة لبعضها البعض.
• النظرية التي لا يمكن لأي حدثٍ يخطر على البال أن يدحضها ليست علمية. (كارل بوبر)
• إن اتخاذ القرار بمصارعة فرضية ما أو إهمالها كلياً أمر محفوف بالمخاطر وعسير في كل من النقد الأدبي والعلمي، نظراً لأن معايير المصداقية في كلا الحقلين لن توفر إلا قدراً محدوداً من التوجيه والثقة.
• تكون الكلمة الإستعارية شاذة لأنها تتحدى عادات القاريء المألوفة في تأسيس الإتساق بين الجزء والكل.
• لا يمكن لنا تكوين فَهم لأية ظاهرة إلا بإستخدام علامات ليست منها؛ علامات تقوم مقامها وتفهمها.
• إن الفرضيات التي يسعى المُؤَوّل بها إلى تصور عمل ما على وفق الافتراضات المسبقة بصدد الأدب والحياة التي يؤمن بها بعمق، هي محاولة لممارسة القوة على النص.
• إن مما يزيد من أهمية الصراعات التأويلية أنها تُذكّر السلطة بأن تفويضها أمرٌ مؤقتٌ لا أكثر، كما أنها توفر فرصة إزاحتها إذا ما فقدت فعاليتها.
• في المعركة من أجل السطوة التي تخوضها المناهج التأويلية المتصارعة، هنالك حالتان مُتطرفتان ممكنتان ومستهجنتان على حد سواء، هما الإستبداد والفوضى.
• هنالك فارق بين الصراع المنتج والصراع غير المنتج، وإحدى فوائد أشكال التبادل الديمقراطي أنها تزيد، في أفضل أحوالها، إلى أقصى حد احتمالية أن تعود الخلافات الفئوية على المجموع بالفائدة.

======================================
▬ يمكن للقراءات أن تتصارع لأن المؤولين الذي يحملون افتراضات متضادة عن اللغة والأدب والحياة، تصدر عنهم فرضيات لا سبيل إلى التوفيق بينها عن معنى نص ما. ومكانة الاعتقاد في تشكيل الفهم تجعل من عدم الاتفاق أمراً لا مناص منه في التأويل. لكن جودة أداء هذه الاعتقادات لاستحقاقات متنوعة تقيس صحتها. لا بد للافتراضات المسبقة التي يعتنقها المؤولون من ان تظهر فاعليتها؛ إذ هي لا تعلو فوق الجدال المعقول والفحص النقدي؛ فالنقد الأدبي مشروع عقلاني. يمكن للمؤولين الدفاع عن افتراضاتهم وقراءتهم بواسطة جدلات متسقة، ويمكنهم تقديم أسباب جيدة لتسويغ قرار بالإبتعاد عن رأي ما (أو التمسك به). إلا أن هذه الأسباب نفسها لن تُلزم أعضاء ينتمون إلى جماعات مضادة في الاعتقاد إذا كانوا يعتنقون افتراضات يتعذر الحكم عليها بالمعيار ذاته بأن الأمور المطروحة. ويبقى الصراع الذي لا سبيل إلى المصالحة فيه ممكناً في التأويل، لكن الفهم يبقى هو الآخر خاضعاً لقيود واختبارات متنوعة حتى عندما يتعذر فض كل الخلافات بصدد الطريقة المثلى لاستعياب نص ما على نحو قاطع. صــ13

▬ إن لكل من التحليل النفسي والماركسي والظاهراتية والبنيوية طريقة مختلفة في التأويل لأن لكل منها ميتافيزيقاه المختلفة ومجموعة قناعاته المختلفة التي تؤلف نقطة انطلاقه وتُعرّف موقعه في الحقل التأويلي. الفرويدي، مثلاً، الذي يؤمن بأن البشر حيوانات جنسية وبأن الأعمال الأدبية تعبيرات عن رغبات جنسية مكبوتة سيُترتب تفاصيل النص في تشكيلات تختلف عن تلك التي يُرتبها الناقد الماركسي الذي يؤمن بأن البشرمخلوقات اجتماعية وتاريخية وبأن الفن يعكس المصالح الطبقية. إن اعتماد نمط معين من التأويل يعني القيام بقفزة اقتناع تتجلى في قبول مجموعة افتراضات مسبقة ورفض ما عاداها.  صــ24

▬ المؤولون، ِ شأن المشاركين في لعبة، يجب أن يقرروا أفضل طرق تطبيق قواعدهم في القراءة عند التعامل مع الحالة التي تواجههم، حتى لو كان وعيهم بالحالة يعتمد على اللعبة التي يشتركون فيها. وربما قرروا تعديل القواعد في ضوء تطورات غير متوقعة (كما قد يحدث في لعبة إذا ما وقع حدث لم تَحسِب القواعد حسابه أو إذا ما اتضح قصور في القواعد يتفق الجميع على ضرورة تلافيه). وكما يحدث في الألعاب، حيث توفر الحوادث غير المتوقعة الكثير من الشد والمتعة، ينشأ الكثير من الصعوبة والإثارة في التأويل من التحدي المتمثل في تطبيق مبادئنا وإجراءاتنا على حالات لم نتوقعها تماماً. عندما نستخدم القواعد التي تميز وجهة نظرنا الهرمينيوطيقية، فإننا نطبقها على حالة من تبعية - الإختلاف قد يغير شكلها بحسب الاستراتيجيات التي نستحضرها، لكنها تؤثر أيضاً في طريقتنا في فرضها وتقيدها. صــ51

▬ برغم أن النص قد لا يقبل الإختزال إلى تأويلاته، فإن الادعاء أن القواعد النصية لها وجود مستقل يَعِدُ بأكثر مما يستطيع أن يقدم. إن استنبات مقياييس للصحة في النص يصادر سؤال المصداقية بدلاً من أن يجيب عليه. السؤال الواضح الذي غالباً ما يُطرح بصدد ادعاء الإستقلالية هو هذا: ما دمنا لا نصل إلى النص نفسه إلا من خلال تجربتنا له، كيف يمكن لقواعد فيه أن تفعل فعلها بوصفها محاولة لمصداقية التجربة الذي نتعرف إليه بها نفسها؟ إن القول بعمل مستقل محاولة للخروج من الدائرة الهرمينيوطيقية، لكن دائرة أخرى تعود: كيف يمكن لنا معرفة إن كنا نؤول على النحو الصحيح أم لا إذا كانت القواعد التي يُفترض أنها تقرر المشروعية لا تتوافر إلا عبر فعل الإستيعاب؟ صــ58

▬ يبقى المؤولون الذين يختلفون في فَهم نص ما قادرين على التواصل فيما بينهم ما دامت قراءاتهم تمتلك من التداخل والتشابه ما يكفي لتسويغ المقارنة؛ وما يكفي من التنافر والتباعد لجعل التواصل مفيداً وهاماً. إن كلاً من القبول الكامل والعداوة العمياء قاتل للجدل النقدي؛ وهو الذي يتميز عادة بسوء فهم متبادل واستيعاب مشترك في سياق اقترانات متحولة ومتنوعة. إن النظرة إلى النص بصفته كلاً مكوناً من قراءات متنوعة (بعضها أكثر تقارباً، والبعض الآخر أكثر تباعداً)، بدلاً من عرقلة التواصل، تُفسر السبب الذي يؤدي إلى حدوث التبادل النقدي...صــ70

▬ [...] وكما هو حال الجدال في مصداقية التأويل، فإن النزاع في التقويم هو الحقل الذي يحدث فيه استقطاب بين ضربين من التطرف مرفوضين بالمستوى نفسه هما الإطلاقية والنسبية. ليس في وسع أي من القضبين احتواء طرفي المفارقة القائلة إن أحكام القيمة يمكن أن تكون قطعية ويمكن الدفاع عنها بمعقولية، حتى وهي قابلة للطعن ومُتغيرة على نحو متأصل. لدينا من جهة أُحادي مثل رينيه ويليك يدعي أن "الحكم يشير إلى طبيعة موضوعية تتقبل الفحص"، وأكثر من ذلك أن "الشكوك في الحدود الدقيقة للأدب لا يمكن أن تتحاشى الخوض في الفرق بين الفن واللافن، الفن العظيم والفن السيء". بينما يعلن نسبوي مثل تيري إيغلتون، من جانب آخر، أن "القيمة، مصطلح متعدٍّ: انه يعني كل ما يحترمه أناس معينون في حالات محددة، بحسب معايير معينة وفي ضوء غايات معطاة" ــ وهو رأي يقود إلى الإستنتاج، الذي يمثل صدمة للإطلاقيين، أننا "قد نجد أنفسنا مستقبلاً في مجتمع لن يجد في شكسبير ما ينفعه في شيء على الإطلاق". صــ158

▬ ما يجعل التأويل فعالية سياسية داخلياً أن القوة حاضرة في فعل الفَهم بأشكال مختلفة. وقضية من تكون له الغلبة في العلاقة بين المؤول والنص هي، بين أشياء اخرى، مسألة تتعلق بتوزيع القوة. كما أن تنافش المؤولين المتضادين من أجل الهيمنة والسلطة هو معركة قوة بالطبع. من المؤكد أن ميشال فوكو كان على صواب عندما أعلن أن "المعرفة والقوة مندغمتان ببعضهما بعضاً، ولا جدوى من الحُلم بزمن لا تعتمد  فيه المعرفة على القوة". لكن هنالك، من منظور نظرية الصراع والمصداقية الهرمينيوطيقيين، مشكلة مهمة تثيرها العلاقة التكاملية التي يسميها فوكو "قوة/معرفة" هي مشكلة إن كانت القوة تؤدي بالضرورة إلى تدمير التأويل. كيف يؤثر دور القوة في فعل الفهم وفي فهم نزاعات المعنى على مصداقية القراءة؟ ما هي استخدامات القوة ومخاطرها في التأويل، وما الذي يمكن ويجب فعله لتعزيز إنتاجيتها والحد قدر المستطاع من المشاكل المحتملة التي تثيرها؟ صــ190

▬ يمكن أن تُبتلى السلطة التأويلية التي لا تلقى معارضة بالتزمت، وهو أمرٌ خطير لأن التأويل مسألة إسقاط للفرضيات واختبار لها. تتعرض السلطة التي لا تنفتح على المقاومة والمعارضة لخطر فقدان المرونة الضرورية التي تحتاجها من أجل الوصول إلى تخمينات إبداعية سريعة الإستجابة. يتطلب اختبار الفرضيات مرونة وانفتاحاً أمام اللامتوقع. يجب أن يتحلى المؤولون بالقدرة على تجريب مختلف الاحتمالات التي تتيحها فرضياتهم المُسبقة من أجل اختيار أكثرها تحقيقاً للهدف. كما يحتاج المؤولون إلى القدرة على مراجعة افتراضاتهم وتوسيعها لتلائم أوضاعاً وتحديات جديدة عندما يظهر أن أياً من الخيارات التي أتاحتها فرضياتهم المُسبقة لم تكن كافية أو مقبولة. يستلزم التأويل الحرية في تجريب مختلف الافتراضات والتصورات. لا نفع في قوة هرمينيوطيقية مُطلقة عندما  يتعلق الأمر بإختبار الفرضيات، لأنها ستفتقد إلى التجريب والمرونة اللذين يتصف بهما الموقف التجريبي. تحتاج القوة الهرمينيوطيقية إلى الإنفتاح والمعارضة كليهما لتؤدي عملها بفعالية، كما هو حال الحرية التي تحتاج إلى الإمكان والقيد كليهما لتكتسب ممارستها معنى. إن هذه الحاجة إلى أحوال تدعم الحرية لهي سبب آخر يجعل من الديمقراطية المناخ الأفضل للتأويل. صــ196

▬ هنالك فارق بين الصراع المنتج والصراع غير المنتج، وإحدى فوائد أشكال التبادل الديمقراطي أنها تزيد، في أفضل أحوالها، إلى أقصى حد احتمالية أن تعود الخلافات الفئوية على المجموع بالفائدة.لكن وصف الفارق بين الصراع المنتج وغير المنتج أسهل من تنظيمه أو السيطرة عليه. قد يتخذ الصراع غير المنتج شكل قوةٍ تواجه قوة دون محاولة لتبرير الموقف عبر جدل معقول، أو قد يتخذ شكل اختلافات لا تنتج أي نوع من تبادل الرأي، كما يحدث عندما يفشل جانبان اللقاء لأن كل واحد منهما مشغول على نحو أنوي بمشاغله الخاصة وهو عاجز، أو غير راغب، أو ببساطة لا ينوي سماع آراء أخرى. إن الشرط المُسبق للصراع المنتج هو اللقاء وتبادل الرأي على أساس الوضوح. كما أن الإحترام المتبادل والإتفاق على عدم اللجوء إلى القوة أو التلاعب للفوز بالمزايا، هما امران ضروريان لجعل الصراع مُنتجاً. ليس من الضروري الإتفاق على أسس جوهرية، لكن على المتنافسين محاولة منع أنفسهم من الكلام أمام بعضهما بعضاً أو السعي إلى غايات متقاطعة، ويكون ذلك بتوجيه جدالاتهم نحو مشكلةٍ أو نص مشترك (حتى لو لم يتفقوا على كيفية تعريفه). صــ206


▬ إن الظاهراتية قد تطورت لتتجاوز هذا الموقع نحو إدراك أن لا فهم بدون افتراضات مسبقة. الظاهراتية المتعالية لهوسرل، التي راودها الأمل في أن تتمكن من الوصف بدون افتراضات مسبقة، حلت محلها ظاهريات هرمينيوطيقية عديدة (ابتداءً بهيدغر (1889-1976)، وهي تشمل غادامير وريكور وياوس وأيزر)، وكلها أنكرت فكرة إمكانية الوصف البحت لتطرح بدلاً عنه السؤال حول الطريقة التي تُشكل بها الأحكام المسبقة كل فعل في المعرفة. صــ229

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • RSS

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire